السيد محسن الأمين

181

أعيان الشيعة

وأسلوبه في الحياة لرأى أهل الاختصاص في شخصيته نموذجا يستقل به عن حياة زملائه وأنداده الذين عاشوا في وعاش في عصرهم ، تماما كديجون صاحب المصباح الذي لم يشبه أحدا ، ولم يشبه أحد من فلاسفة اليونان . وليس من غرض هذه الكلمة ان تترجم ، أو تؤرخ للفقيد ، وانما القصد ان تشير إلى ناحية واحدة من مناحي حياته وشخصيته ، وهذه الناحية هي التي أبرزته وميزته ، وزودته بآلة يستقي بها من الأعمال ، ويحلق بها في الأجواء ، ويسير بها عبر البحار والقفار . . . وهي حبه للقراءة ، وبذله الجهد الجهيد لها . لقد كانت القراءة في مفهومه ضربا من الحاجة ، لا للتسلية وقتل الوقت ، وفرضا يحتمه التفهم للحياة والمشكلات . وقد كانت الكلمة المكتوبة عنده أغلى من الذهب الأبريز ، وأهم همومه ، حتى في أيامه الثقال الشداد هنا وفي النجف ، بل لم يكن له هم سواها ، وكأني به إذا تراكمت عليه المشكلات ، وانسدت طرق الحل لجا إلى الكتاب ، فإذا اخذه بيده ذهل عن كل شئ حتى عن نفسه مؤلفاته من مؤلفاته المطبوعة : كيف تفهم الاسلام ، المدينة الفاضلة عند العرب ، أخلاق آل محمد ، على فوق الفلاسفة ، الأديان في الميزان ، تاريخ الأنبياء . شعره من شعره قوله : صور تروعك للجمال الشيق * يا قلب خفف من جماحك واتق بسمت لك الأزهار في ضحواتها * عن كل فاتنة بوجه مشرق قالوا تصابى قلت اي نقيصة * ما أسمج الدنيا لمن لم يعشق اهوى الجمال ولا أشين بهاءه * ما كل ظمآن الفؤاد بمستق يهوى الجمال ولا يخاف ملامة * قلب يخف إلى الجمال المطلق كن كيف شئت معذبا أو منعما * بك لا سواك صبابتي وتعلق جمحت بي النزوات حتى خلتها * قذفت بقلبي بالظلام المطبق وافقت لا كأس لدي قريبة * كلا ولا ذاك الطلا بمعتق أتت الكذوب حقيقة ان لم تكن * ببديع ذاك الحسن لم تستغرق ما ان شكوت ولا بكيت صبابة * فانا السعيد من الغرام بما شقي سهدي ودمعي والصبابة كلها * كانت أداة نباهتي وتألقي وقال : ذكريات الصبا وروح النسيم * هيجا بعض وجدي المكتوم ليت شعري بليت بالحب وحدي * أم فؤادي مكون من هموم اشرب الراح في غرامك صرفا * بين زهر الدين وزهر النجوم وكؤوس الغرام أعظم فتكا * بأولي الحلم من كؤوس النديم فمزاج الخمور ماء وكرم . . . * ومزاج الرضاب من تسنيم سلب القلب خلسة واقتدارا * بمحيا زاه وصوت رخيم وقال : يا واهبا للروض منك بشاشة * هب للعباد بشاشة الأوراد لأرى الوجوه منيرة وقلوبهم * فرغى من الأوغاد والاحقاد ان تنتج الأزهار من . . . الهوى * كان النسيم لهن بالمرصاد حتى الازاهر قد يلين بحسد * اقذى الاله نواظر الحساد وتالف الأحباب أجمل موضعا * من كل غنم طارف وقلاد وقال : أيها الهاجرون رفقا بصب * دهره بين عبرة وزفير ان مللتم لقاءنا فاذكرونا * لا يعاف الميسور للمعسور أيها الآسرون قلبي مهلا * يجمل العطف بالموتى الأسير وكان الرياض حولي سماء * زينت في كواكب من زهور وكان السماء حولي رياض * زاهيات بإقحوان نضير صفوة العيش قد تجلت عيانا * بين صدق الهوى وصفو الضمير وقال : وناظرة لنا بخفي طرف * تسوتى بلحضها الاجل المتاحا خفضت لعز حسنكم جناحي * ولولا الحب لم اخفض جناحا أبيت الذل الا في هواكم * اراوحه اغتباقا واصطباحا من الآلام لي كأس دهاق * إذا ما عاقر اللاهون راحا على مضض الخطوب بنا ابتسام * يجلل أوجها منا صياحا فلا الأحباب تشجى إذ ترانا * ولا حسادنا تجد ارتياحا وقال : وأعذب ما قد ذقت من ثمر الهوى * حديث عتاب من مشوق وشائق يقولون عشقا يهلك المرء نفسه * وهل خلدت نفس امرئ غير عاشق وقال : إذا ما صحى اللاهون من سكرة الهوى * فقلبك من خمر الصبابة نشوان فلا تبتئس من نبوة لخل ان جفا * فان حياة الحب وصل وهجران وقال : واقتل الدمع ما تبكي النفوس به * لا ما ترقرقه الأجفان والحدق ان النفوس لتطغى في عواطفها * مالم يقف دونها الوجدان والخلق وقال حين انتقد مرارا لبس العباءة المعروفة بالخاشية التي اعتاد رجال الدين لباسها فوق الجبة ، معرضا بقوله ببعض المتزيين بزي الدين المستغلين له وهم ابعد الناس عن الدين : وهل الخواشي من أصول الدين * لتسوق خالقها إلى سجين حسبي من التقليد اني مقتد * بضعيف عقل أو قوي جنون يهذي بأقوال ويحسب انها * آراء سقراط وأفلاطون تخذوا العمامة حرفة وحلت بها * لذات عيش هانئ مضمون وقال : بسمة الفجر وائتلاف الغدير * بعثتها ضمامة من زهور حبست زينب وليلى وسعدي * وسليمى في هالة من نور مظهر للجلال مهبط وحي * صورة للملاك لطف شعور سكنت والجمال يعلن عنها * فتنة العقل سكرة المخمور